القانون والمجتمع في ليبيا

القانون والمجتمع في ليبيا

المرحلة البحثية الثالثة: اللامركزية

استغرقت هذه المرحلة البحثية من 16 أبريل 2019 إلى 15 أكتوبر 2019 وتناولت القضايا الرئيسية المتعلقة باللامركزية في ليبيا.

Project Manager سليمان إبراهيم
Main project دور القانون في المصالحة الوطنية في ليبيا

ملخص تقرير شاغل اللامركزية

يرصد هذا التقرير التحديات التي تواجه بناء الدولة الديمقراطية المدنية في ليبيا، والتي تتعلق بالمركزية، ودور القانون في مواجهتها، فيحدد أهم القضايا الخلافية ذات العلاقة، ثم ﻳﺘﻌﺮض ﻟﻼﺳﺘﺠﺎﺑﺎت التشريعية اﻟﺮﺋﻴﺴﺔ، وفرص تطبيقها، وتقويمها. ويعين أبعاد هذا الموضوع وتجلياته المختلفة حتى يمكن تلمس كيفية حله وآلياته، وينتهي التقرير برؤية للحكم دون-الوطني، لمستوياته وتكوين مجالسه، وصلاحيته، فضلًا عن مقترحات وسياسات تكفل ترجمة هذه الرؤية إلى واقع عملي.

يُستهل التقرير بمجموعة من المفاهيم والتعريفات الأساسية، والأطر والمقاربات النظرية المتعلقة بشاغل الحكم دون الوطني، كما يستعرض تطور التقسيمات الإدارية في ليبيا منذ استقلال الدولة عام 1951 (السياق الإداري)، ثم يناقش السياقات الجغرافية، والسياسية-التشريعية، والثقافية-الاجتماعية، والاقتصادية، كما يتقصى هذا الشاغل الجدال حول قضايا اللامركزية المتعلق بمستويات الحكم دون الوطني، وعدد وحداته، وتكوين مجالس هذه الوحدات، وكيفية اختيار قياداتها، وعلاقات وحدات الحكم دون الوطني مع الحكومة المركزية، ومسألة القدرات المؤسسية والبشرية لهذه الوحدات؛ فالجدال حول اللامركزية قد أثيرت فيه قضايا اُتخذت منها مواقف متباينة؛ مما يؤثر في عمليات بناء الدولة وتحقيق السلم المجتمعي. يتناول هذا التقرير هذه المواقف ومدى تأثيرها في تحقيق أهداف مشروع دراسة دور القانون في المصالحة الوطنية، كما يوضح التقرير حالات تطبيقية محددة بموضوع لامركزية الخدمات تتمثل في التعليم والصحة والأمن، ويُختتم بخلاصات واستنتاجات عامة، وبعرض رؤية مقترحة حول اللامركزية والحكم دون-الوطني.

فيما يتعلق بالمفاهيم، فقد أوضح التقرير طبيعة العلاقة بين السلطات المركزية والسلطات المحلية؛ وأنواع الدول التي تنتج عن هذه العلاقة، دولة مركبة (فيدرالية / اتحادية)، دولة بسيطة (موحدة)، نظام الحكم المحلي (اللامركزية الموسعة)؛ إلى جانب مناقشة أنماط الحكم دون-الوطني (اللامركزي)، باعتبار أن اللامركزية بمعناها العام تشمل طيفًا واسعًا من أنماط الحكم دون-الوطني من أهمها عدم تركيز السلطات، والتفويض الإداري للاختصاصات، والتفويض التشريعي للاختصاصات.

وبالنسبة للتقسيمات الإدارية، فقد استعرض التقرير التحولات التي مرت بها ليبيا منذ استقلالها عام 1951، حيث كانت في بدء أمرها دولة فيدرالية مكونة من ثلاث ولايات: طرابلس، وبرقة، وفزان، مع البحث في السياق السياسي-التشريعي لنشأة الدولة الليبية وفي التفاعلات التي أدت إلى تبني النظام الفيدرالي أساسًا لإدارة شؤون الدولة الوليدة ثم التخلي عنه عام 1963، حيث غُيّر الشكل الاتحادي (الفيدرالي) إلى شكل موحد بحكومة واحدة تملك صلاحيات وسلطات مركزية، ثم اعتمد نظام المحافظات تقسيمًا جديدًا للدولة الليبية عام 1964 وأُلغي عام 1975. وقد رصد التقرير حالات عدم الاستقرار الإداري في التقسيمات الإدارية، حيث اُعتمدت تسمية البلدية وفرع البلدية ثم المؤتمر الشعبي الأساسي واللجان الشعبية، ثم اُستخدمت تسمية الشعبيات، وأخيرا بعد 17 فبراير قُسمت الخارطة الليبية الإدارية إلى مجالس محلية تتفرع عنها لجان تسييرية. وباعتبار أن تأسيس لامركزية موسعة يستند إلى علاقات متبادلة بين التنمية المكانيّة في ليبيا وتحليل عناصر منظومة المراكز العمرانية من جهة، وارتباطهما بشكل وثيق بشروط اللّامركزية الإدارية الجغرافية المنشودة، من جهة أخرى -فقد استعرض التقرير الصعوبات التي تواجه التنمية المكانيّة في إطار السياق الجغرافي.

ولمَّا كانت اللامركزية تثير استقطابًا مجتمعيًا، فقد حاول التقرير تأمين قاعدة معرفية تسهم في تنمية الوعي المجتمعي بما يمكِّن عموم الناس من اتخاذ مواقف وجيهة مما يعرضون له من خيارات سياسية واقتصادية واجتماعية، من خلال التعرض لمسألة التهميش بوصفه الدافع الرئيس وراء المطالبة بتطبيق النظم الأقل مركزية، الأمر الذي يوجب تقصي طبيعة هذا الشعور، سواء أكان اقتصاديًا أم سياسيًا أم عرقيًا أم قبليًّا أم مناطقيًّا. وبحسبان اعتماد الاقتصاد الليبي اعتمادًا كبيرًا على موارد طبيعية ناضبة (النفط الخام والغاز الطبيعي)، وبسبب تركز التوزيع الجغرافي لمعظم هذه الموارد في مناطق بعينها (الجنوب الشرقي والجنوب الغربي) - فقد اهتم السياق الاقتصادي بالاقتصاد السياسي للصراعات والحروب الأهلية؛ ذلك أن سيطرة الدولة على الأسعار والأسواق أدت إلى تعزيز قدرة النخب الحاكمة على تكوين الثروات، وعلى استخدام سيطرتها على الاقتصاد لتوفير منافع لحلفائها وحرمان الآخرين من الفوائد الاقتصادية. وهكذا برز اقتصاد مسيس يرتهن فيه الكسب الاقتصادي بالقرب من السلطة عوضًا عن ارتهانه بزيادة الإنتاجية والكفاية الاقتصادية؛ وترسخت بذلك خلال العقود الخمسة الماضية "الذهنية الريعية" بين مختلف النخب والجماعات التي أصبحت تنظر إلى السيطرة على الدولة بمنطق الغلبة والغنيمة.

وقد تناول التقرير قضايا اللامركزية، فرصد مسألة عدد المستويات والوحدات الإدارية اللامركزية حيث تعددت الآراء في شأن عدد مستويات الحكم دون-الوطني ما بين منادٍ بأن تكون الولايات رأس المستويات دون الوطنية، وتدنوها محافظات وبلديات، وهم المنتمون إلى التيار الفيدرالي، وإن تمايزت مواقفهم ، ومنادٍ آخر بأن تكون المحافظات، على اختلاف في وصف صلاحياتها، هي المستوى الأعلى لدورها التنسيقي المهم بين البلدية والحكومة المركزية، وفي المشروعات المشتركة بين البلديات، وقد تعددت آراء المنتمين إلى هذا الفريق حول العدد المناسب للمحافظات، ومنادٍ ثالث مكتفٍ بالبلديات بحجة أن تجربة ممارسة هذه لصلاحيات المحافظات أبانت عن عدم الحاجة إلى هذه الأخيرة. وقد تنوعت الاستجابات التشريعية لهذا الموضوع، فالإعلان الدستوري أغفل تحديد مستويات الحكم دون-الوطني وعدد وحداته، أما مشروع الدستور، فقد تباينت مواقف مسوداته، إلا أن مشروع الدستور لعام 2017 تبنى ما سُمي باللامركزية الموسعة، والتي قسمت فيها المستويات دون-الوطنية إلى محافظات وبلديات، وإن أجاز إنشاء وحدات إدارية أخرى. وفي حين سكت المشروع عن تحديد عدد وحدات هذه المستويات، لصعوبة توافق أعضاء الهيئة على ذلك، فإنه حدد معايير يتولى المشرع وفقا لها ضبط هذا العدد، أما القانون رقم 59، فقد قسم الوحدات الإدارية إلى أربعة مستويات، هي: محافظات، وبلديات، وفروع بلدية، ومحلات، وقد أجل القانون رقم (9) لسنة 2013 إنشاء المحافظات، وأحال معظم صلاحياتها إلى مجلس البلديات وعمدائها. ولم يعنَ الاتفاق السياسي بقضية اللامركزية، واكتفى بتضمين "تفعيل النظام اللامركزي" ضمن مبادئه الحاكمة، وقومت تلك الاستجابات التشريعية بالتحقق من مدى تمثيلها لرأي أصحاب المصلحة، وكيفية استقبالها من قبلهم، ومدى إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذها، ومدى تطبيقها، وفعاليتها، وبدائلها القائمة والمقترحة.

واستعرض التقرير تكوين مجالس المستويات دون-الوطنية، حيث ذكر أن هناك أسلوبين لاختيار المجالس المحلية وقياداتها: الانتخاب أو التعيين. ينطلق الأول من فكرة سياسية قوامها أن النظام اللامركزي جزء لا يتجزأ من النظام الديمقراطي القائم على حكم الشعب بواسطة ممثليه، وحيث إنه لا يمكن لجميع أعضاء الوسط المحلي إدارة المصالح الذاتية، فإن الانتخاب هو الوسيلة الديمقراطية لتحقيق ذلك. أما الثاني فهو ينطلق من الحرص على تحقيق فعالية إدارية وتنموية قد لا يحققها أسلوب الانتخاب وحده، حيث يترك للسلطة المركزية تعيين عدد من أعضاء السلطات المحلية ممن تقدر كفاءتهم. وفي أحيان كثيرة يُجمع بين الأسلوبين. وباعتبار أن هذه المسألة من المسائل الفنية الدقيقة، فلم يبرز تيار أو حراك واضح يمكن رصده بصورة مباشرة يعبر عن موقف منها. مع ذلك، فقد استنتج التقرير المواقف عبر الاستعانة باستطلاعات الرأي العام، ومجموعات التركيز، والمقابلات المعمقة والمسوح الشاملة فضلًا عن بيانات الأحزاب والتيارات السياسية، التي بينت أن هناك من يؤيد الانتخاب بوصفه الأقرب للديمقراطية وللامركزية، هناك رأي يفضل التعيين لأن فيه رقابة والتزامًا ويمكّن من الاختيار بناء على شروط الكفاءة. وهناك فريق ثالث يميز بين المحافظات والبلديات في طريقة الاختيار: فالتعيين عندهم هو الأفضل بالنسبة إلى المحافظات، والانتخاب بالنسبة إلى البلديات، على أساس أن للمحافظات جانبًا سياسيًّا.

وقد عرض التقرير الاستجابات التشريعية المتباينة في هذا الصدد، فقد خلا الإعلان الدستوري من نص ينظم تشكيل هذه المجالس، أما مشروع الدستور لعام 2017، فقد تبنى خيار الانتخاب في تشكيل مجالس المحافظات والبلديات، وأحال على القانون في تنظيم آلية اختيار المحافظين، ولم يصرح بتحديد آلية اختيار عمداء البلديات، أما القانون رقم 59، فقد قرر أن يكون الانتخاب سبيلًا لتحديد أعضاء مجالس البلديات، على أن يختار هؤلاء من بينهم من يكون عميدًا، كما أوضح التقرير أثر الانقسام السياسي منذ يوليو 2014 وما صاحبه من نزاع مسلح في تكوين المجالس البلدية في شرق البلاد وغربها. وقد ذهب التقرير في تقويمه لكل تلك الاستجابات التشريعية إلى الحاجة لتشريعات تعالج هذا التحدي بما يؤسس لبناء توافق وطني، ولم يغفل التقرير عن تناول أثر العمليات العسكرية في المنطقة الغربية التي بدأت في 4 أبريل 2019 في الآراء المختلفة حول شكل الدولة، فيدرالية أم لامركزية إدارية، حيث رصد ارتفاع الأصوات من إقليمي طرابلس وفزان التي تطالب بتطبيق شكل من أشكال الفيدرالية، وأوضح أن هناك مواقف معارضة ترى أن النظام القائم على لامركزية موسعة مضمونة دستوريًّا هو النظام المناسب للحالة الليبية. وقد أمكن رصد هذا الموقف من خلال استطلاعات الرأي ومقابلات معمقة مع خبراء ومسؤولين حاليين وسابقين ومجموعات التركيز وبيانات بعض المكونات الثقافية.

وبحسبان أن معالجة كيفية توزيع إيرادات النفط والغاز أمر غاية في الأهمية؛ لأن الشفافية في إدارة عائدات الموارد الطبيعية وتخصيصها يمكن أن تكون عاملًا حاسمًا في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي؛ ولأن هذه المسألة أصبحت قضية أساسية ضمن الجدال السياسي والاقتصادي في ليبيا حول العلاقات بين السلطة المركزية والسلطات المحلية - فإن التقرير استعرض المواقف المتعلقة بإدارة الموارد وكيفية تخصيص عوائد الصادرات النفطية على أقاليم الدولة، وقضايا التهميش والإجحاف الاقتصادي وخلص إلى الحاجة الشديدة إلى تشريعات تعالج هذه المسألة وإلى نقاش وحوار وطني واعٍ حول العلاقة بين السلطة المركزية والمحليات في مستوياتها المختلفة عبر نموذج أو مقاربة من أسفل إلى أعلى ونموذج تنموي تشاركي للتخطيط وإدارة الاقتصاد إدارة ديمقراطية.

ولتزايد النقاش حول اللامركزية المالية ومدى جدواها في تحقيق التوزيع العادل للعوائد وتحقيق التنمية المكانية المتوازنة؛ فقد عرض التقرير الأسس المختلفة للامركزية المالية، ومدى تطبيق الاستجابات التشريعية لها، وقّوم الإشكاليات التي يثيرها تطبيقها، فالغاية من تطبيق اللامركزية المالية هي تحقيق الأهداف الاقتصادية الرئيسة التي يفشل في تحقيقها النظام المركزي، وهي المساواة والكفاية والاستقرار الاقتصادي؛ لذلك اهتم التقرير بتناول المتطلبات التي يتعين توافرها لكى تحقق اللامركزية المالية المنافع المرجوة منها، كما استعرض الاستجابات التشريعية في هذا الصدد، والتي يُعدّ القانون رقم 59 من أبرزها، الذي نص على الموارد المالية للمحافظة، وفرض على مجلس ﺍﻟمحافظة توزيع جزء من هذه الموارد، ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺠﺎﻟﺱ ﺍﻟﺒﻠدية الداخلة ﻓﻲ ﺩﺍئرة اختصاصها، مما يعزز استمرارية الاعتماد على دعم الميزانية العامة، كذلك مشروع الدستور 2017 الذي نص على وجود مصدرين للموارد المالية للمحليات، أحدهما على المستوى الوطني والآخر على المستوى المحلي. وقد أظهر التقويم أن قانون 59 ولائحته التنفيذية هو التشريع الأبرز المنظم للحكم المحلي واللامركزية في ليبيا، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع يتسبب في معضلتين مؤسسيتين جوهريتين تعيقان وجود رؤية مؤسسية واضحة ومستقرة: وهما معضلة النصوص القانونية المتعلقة بالنظام المالي لوحدات الإدارية المالية، ومعضلة المركز القانوني المالي لوحدات الإدارة المحلية من واقع القانون ولائحته التنفيذية؛ لذلك اهتم التقرير بتقصي القضايا والإشكاليات التي تثيرها مسألة اللامركزية المالية، وتقويم مدى جدوى هذا النظام وصلاحيته في ليبيا مع استعراض المشاكل والمخاطر المترتبة على تبني هذا الأسلوب، والتحقق من إمكانية وجود بدائل أفضل من اللامركزية المالية.

واستعرض التقرير بعض الحالات التطبيقية المتعلقة بلامركزية الخدمات كالتعليم، والصحة، والأمن، وذلك من خلال تحري واقع اللامركزية في هذه القطاعات، ورصد كيف كان تفويض المسؤوليات والصلاحيات من السلطات المركزية إلى السلطات المحلية، وأثر ذلك في تنظيم، وإدارة الموارد المادية والبشرية فيها، وقد تناول التقرير مسألة المستويات في تلك القطاعات، وتكوينها، وتوزيع الصلاحيات فيها، وقدراتها المؤسسية والبشرية.

واختتم التقرير بعرض تلخيص لتقويمات الاستجابات التشريعية المتعلقة بقضايا الحكم دون-الوطني (اللامركزية) وحالاته التطبيقية وعرض رؤية شاغل اللامركزية.

المنشورات

  • زاهي المغيربي، لجين الأوجلي وسليمان إبراهيم (2019) اللامركزية في ليبيا - مركز دراسات القانون والمجتمع، جامعة بنغازي؛ مؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة المجتمع، جامعة ليدن