تمثل قضية أبوسليم علامة فارقة في تاريخ القضاء الليبي بل وفي التاريخ السياسي لليبيا، فعلى الرغم من أن أحداثها وقعا عام 1996، فإن صفحاتها لم تطو بعد على الرغم من مرور ما يزيد على ربع قرن على حصولها، مما يعكس عجز المنظومة القانونية والمؤسسية عن توفير الحد الأدنى من الضمانات المرتبطة بفكرة العدالة.
رغم ما يمر به الوطن الليبي من ظروف بالغة السوء والعنت والغرابة، من صنع أبنائه أنفسهم، وما يحيق به من تخريب وتدمير، ويعبث بأهله من قتل وتهجير، وضع مستقبله على عتبة غموض وسوء مآل؛ يترطب وجدان المرء الحريص على صحة الوطن وعافيته ويتحايا عنده الأمل، حين يجد قلة من الوطنيين، ذكورا وإناثا، وشبابا وشيبا، يكرسون أنفسهم، بدافعية وطنية وإنسانية، لبذل الجهد بعكس هذا الاتجاه، من خلال تصديهم للدفاع عن الحياة السوية. فيؤسسون النوادي والجمعيات الثقافية والحقوقية والخيرية، وما إليها، ويقيمون الندوات وورش العمل والأنشطة الثقافية المختلفة، محاولين تضميد جراح الوطن والحيلولة دون تعفنها وتزايد مضاعفاتها. ويجد مثقفين وأكادميين، صادقين مع أنفسهم، ومخلصين لوطنهم وملتزمين بما تتطلبه الثقافة ويقتضيه العلم من تجرد وموضوعية في التعامل مع القضايا الوطنية، يخصصون قدرا كبيرا من وقتهم في تسليط فعاليات علمهم ومعرفتهم على ما يجري في وطنهم وتعرية جذوره الخفية المطمورة والكشف عن بذور العلاج الذاتي فيه ورسم (أو على الأقل: التأشير نحو) طريق تعد بتحسن وضعه وتخليصه، تدريجيا، من أزماته وعلله. على المستوى الأخير، صدر عن "مركز دراسات القانون والمجتمع- جامعة بنغازي" بالاشتراك مع "مؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة والمجتمع- جامعة ليدن" بدعم من سفارة المملكة الهولندية في ليبيا، كتاب بعنوان "الهوية الليبية: الأبعاد والمقومات، مقاربات متعددة التخصصات"**.
شاء حظي، أو بالأحرى بحثي عن أي شعاع أمل، أن أحضر أو أسهم بجهد متواضع، في بعض أنشطة مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي، حيث في مثل هذه الحالات يظهر جانب آخر لليبيا ينعش الأمل ويجعل الأحلام ممكنة.
مع بداية الحراك الليبي الشعبي، يوم 22 فبراير 2011 م، أستخرجت صورة من النسخة الأصلية لميثاق الحرابي، وفي مكتب المرحوم إبراهيم بوحمرة الذي افتتحه ليكون غرفة عمليات الحراك منذ اليوم الأول للانتفاضة، طبعنا منها 2000 نسخة، وعن طريق شبيبة حركة الكشاف وجمعية الهلال الأحمر تم توزيعها في الطرقات وأمام مساجد مدينة درنة. كان الوقت مبكراً والانتفاضة في بدايتها، ولا أعرف ما إذا كان الحدس وحده ما أوحى بهذه الفكرة، أم الخوف الذي طالما لاحقنا من مرحلة ما بعد فاشية القذافي الثانية، ما كان وراء الإلحاح على تذكير الشباب خصوصاً بما فعل أجدادهم الأولون لإنقاذ الوطن من الفتنة والتشظي بعد انحسار فاشية موسيليني الأولى في ليبيا.
تماما كما أن من يمارس مهنة التدريس قد يعوز الحس التربوي، وتماما كما أن رجل الشرطة قد يفتقد الحس الأمني، فإن الباحث الأكاديمي قد يفتقر إلى الحس العلمي؛ وهو يكون بهذا كمن ينظم القصيد دون أن يقول شعرا، ومن يقيم الشعائر الدينية دون أن يكون له من الخلق الحسن نصيب.
تسعى هذه الورقة لإعادة التأمل في بعض المفاهيم العالقة بالذهن والجامدة في التاريخ، والتي تحولت مع الوقت إلى نوع من التهم، أو الحكم القيمي المسبق دون الانتباه لبعدها التاريخي والاجتماعي، ولِما طالها من تغيرات فرضها ضغط التكيف مع نتاجات العصر واستحقاقات المنافسة، و (القبيلة) من هذه المفاهيم التي جُمدت في إفريز القاموس السياسي وتستخرج كل مرة في سياق توجيه اصبع الاتهام لها كلما حدثت معوقات أو أزمة أو مظاهر تخلف، إضافة إلى الربط العضوي الدارج بين القبيلة والبداوة كبنى طاردة لفكرة الدولة المدنية ولدولة القانون والجدارة.
تهدف هذه الورقة إلى التركيز على أثر أزمات بناء الدولة ومعالجة قضايا المرحلة الانتقالية والعملية الدستورية على التعايش السياسي والسلم المجتمعي في ليبيا. وسوف تحاول الورقة دراسة التحديات التي تواجه التعايش المجتمعي والسياسي الناجمة عن أزمة بناء الدولة والتحول الديمقراطي في ليبيا بعد السابع عشر من فبراير 2011 وانعكاس التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنظام السياسي الليبي منذ الاستقلال عام 1951 على هذه التحديات والأزمات. ويتعين في البداية التعرض لمفهوم التعايش بشكل مختصر.
اختلفت بعض دوائر المحكمة العليا في شأن مدى مسؤولية الدولة عن تعويض الاضرار الناتجة عن العمليات العسكرية -بمختلف تسمياتها- وتجلى ذلك في حكمين قرر أولهما لا تعويض إلا بعد صدور قانون خاص من السلطة التشريعية (طعن مدني رقم 254-64ق جلسة 15-2- 2020)، في حين ذهب الثاني أن في أحكام القانون المدني المنظمة للمسؤولية ما يكفي (طعن مدني رقم725- 65، جلسة 17-11-2020). وهو ما خلق بيئة قانونية تصدم أدنى مبادئ العدالة لما ينجم عنه من عدم مساواة بين المتقاضين رغم تماثل مراكزهم القانونية. لهذا وجدت الدائرة المدنية الثانية - بمناسبة نظرها للطعن المدني رقم 688-65ق. - سانحة لدعوة الدوائر المجتمعة للمحكمة لرفع التعارض بين المبدأين: الذي يعلق مسؤولية الدولة على سن تشريع خاص والثاني الذي يجيزها في إطار القانون المدني النافذ. وبعد إن استعرضت المحكمة بدوائرها المجتمعة موقف الدائرتين انتهت الى (الأخذ بالمبدأ الذي يقرر أن مسؤولية الدولة عن الأضرار الناجمة عن النزاعات المسلحة يكون وفقا لمصادر الالتزام في القانون المدني) (حكم الدوائر المجتمعة بتاريخ 2-1- 2023). هذا الحكم وإن حسم الخلاف بما يحقق العدالة، إلا إن تأسيسه لرفع التعارض يدفع للتأمل.
المحاماة العامة (الشعبية) كفكرة صدر بها القانون 4 لسنة 1981م ليست نظاماً للمساعدة القضائية بل هي نظام خاص جاء على أنقاض تأميم مهنة المحاماة الخاصة بإلغاء قانونها رقم 82 لسنة 1975 م وجعل الدفاع أمام المحاكم والنيابات والجهات ذات الطابع القضائي حكراً على المحاماة العامة دون غيرها.