حق المرأة الليبية في الإرث مكرّس شرعاً وقانوناً، بل حرمانها منه فعل يجرمه القانون ويعاقب عليه. ولكن عملياً تحرم الكثير من النساء من إرث الأرض. وهذه الدراسة تعرض إطاراً عاماً -قانونياً وتاريخياً وثقافياً- لحق المرأة في الإرث عموماً وفي إرث الأرض على سبيل الخصوص، قبل أن تقدم تحليلاً مفصلاً لحالة سيدة حرمت من الميراث وسعت للحصول عليه. وترصد الورقة عدداً من التطورات المهمة في هذا السياق: صوت المرأة المتزايد، والتسويات البراغماتية، ونقاط الضعف في القضاء الليبي فيما يتعلق بقضايا الحرمان من الميراث.
شكلت ثورة فبراير 2011 نقطة تحول لمدينة تاورغاء، ففي حين اصطفت مدن أخرى، مثل جارتها مصراتة مع الثورة، قاتل سكان تاورغاء لفترة طويلة إلى جانب القذافي، واتهموا بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان مثل الاغتصاب، خاصة ضد جيرانهم في مصراتة. وعندما انتصرت الثورة، قام ثوار من هذه المدينة الأخيرة بتهجير ساكني تاورغاء. وتركز دراسة الحالة هذه على بعض هؤلاء، وعلى مشكلة واجهتهم غالبا ما يتم تجاهلها: فقدان وثائقهم الشخصية (مثل بطاقات الهوية، والبطاقات المصرفية، والوثائق الدراسية، والشهادات المثبتة لملكية الأراضي).
شهد تاريخ ليبيا الحديث تشريعات وتدابير استهدفت تحقيق إصلاحات جذرية لملكية الأراضي، ولكنها خلقت حالة من عدم التيقن القانوني وكانت مصدراً لنزاعات بين من انتفعوا منها ومن خسروا. وتركز هذه الدراسة على ثلاثة نزاعات على الأراضي ناتجة عن تطبيق القانون 123 (1970) بشأن الأراضي الزراعية المستصلحة والمملوكة للدولة. وتدور هذه النزاعات في مدينة المرج وضواحيها، وتتعلق تحديداً بأراضٍ كانت مملوكة لعائلات الجوهري وبوحمير وبوقرين، وهي تنتمي إلى قبيلتي العرفة والعبيد التي توزع الكثير من أفرادها ما بين منتفع بالقانون 123 ومتضرر منه. وقد اُختيرت هذه النزاعات لأنها تكشف عن المراحل المتعددة التي يمر بها طالبو العدالة، وتنوع الوسائل التي يستخدمونها. وهذا الملخص يقتصر على واحدة من النزاعات، وهو المتعلق بأرض عائلة الجوهري.
تمثل قضية أبوسليم علامة فارقة في تاريخ القضاء الليبي بل وفي التاريخ السياسي لليبيا، فعلى الرغم من أن أحداثها وقعا عام 1996، فإن صفحاتها لم تطو بعد على الرغم من مرور ما يزيد على ربع قرن على حصولها، مما يعكس عجز المنظومة القانونية والمؤسسية عن توفير الحد الأدنى من الضمانات المرتبطة بفكرة العدالة.
رغم ما يمر به الوطن الليبي من ظروف بالغة السوء والعنت والغرابة، من صنع أبنائه أنفسهم، وما يحيق به من تخريب وتدمير، ويعبث بأهله من قتل وتهجير، وضع مستقبله على عتبة غموض وسوء مآل؛ يترطب وجدان المرء الحريص على صحة الوطن وعافيته ويتحايا عنده الأمل، حين يجد قلة من الوطنيين، ذكورا وإناثا، وشبابا وشيبا، يكرسون أنفسهم، بدافعية وطنية وإنسانية، لبذل الجهد بعكس هذا الاتجاه، من خلال تصديهم للدفاع عن الحياة السوية. فيؤسسون النوادي والجمعيات الثقافية والحقوقية والخيرية، وما إليها، ويقيمون الندوات وورش العمل والأنشطة الثقافية المختلفة، محاولين تضميد جراح الوطن والحيلولة دون تعفنها وتزايد مضاعفاتها. ويجد مثقفين وأكادميين، صادقين مع أنفسهم، ومخلصين لوطنهم وملتزمين بما تتطلبه الثقافة ويقتضيه العلم من تجرد وموضوعية في التعامل مع القضايا الوطنية، يخصصون قدرا كبيرا من وقتهم في تسليط فعاليات علمهم ومعرفتهم على ما يجري في وطنهم وتعرية جذوره الخفية المطمورة والكشف عن بذور العلاج الذاتي فيه ورسم (أو على الأقل: التأشير نحو) طريق تعد بتحسن وضعه وتخليصه، تدريجيا، من أزماته وعلله. على المستوى الأخير، صدر عن "مركز دراسات القانون والمجتمع- جامعة بنغازي" بالاشتراك مع "مؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة والمجتمع- جامعة ليدن" بدعم من سفارة المملكة الهولندية في ليبيا، كتاب بعنوان "الهوية الليبية: الأبعاد والمقومات، مقاربات متعددة التخصصات"**.
شاء حظي، أو بالأحرى بحثي عن أي شعاع أمل، أن أحضر أو أسهم بجهد متواضع، في بعض أنشطة مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي، حيث في مثل هذه الحالات يظهر جانب آخر لليبيا ينعش الأمل ويجعل الأحلام ممكنة.
مع بداية الحراك الليبي الشعبي، يوم 22 فبراير 2011 م، أستخرجت صورة من النسخة الأصلية لميثاق الحرابي، وفي مكتب المرحوم إبراهيم بوحمرة الذي افتتحه ليكون غرفة عمليات الحراك منذ اليوم الأول للانتفاضة، طبعنا منها 2000 نسخة، وعن طريق شبيبة حركة الكشاف وجمعية الهلال الأحمر تم توزيعها في الطرقات وأمام مساجد مدينة درنة. كان الوقت مبكراً والانتفاضة في بدايتها، ولا أعرف ما إذا كان الحدس وحده ما أوحى بهذه الفكرة، أم الخوف الذي طالما لاحقنا من مرحلة ما بعد فاشية القذافي الثانية، ما كان وراء الإلحاح على تذكير الشباب خصوصاً بما فعل أجدادهم الأولون لإنقاذ الوطن من الفتنة والتشظي بعد انحسار فاشية موسيليني الأولى في ليبيا.
تماما كما أن من يمارس مهنة التدريس قد يعوز الحس التربوي، وتماما كما أن رجل الشرطة قد يفتقد الحس الأمني، فإن الباحث الأكاديمي قد يفتقر إلى الحس العلمي؛ وهو يكون بهذا كمن ينظم القصيد دون أن يقول شعرا، ومن يقيم الشعائر الدينية دون أن يكون له من الخلق الحسن نصيب.
تسعى هذه الورقة لإعادة التأمل في بعض المفاهيم العالقة بالذهن والجامدة في التاريخ، والتي تحولت مع الوقت إلى نوع من التهم، أو الحكم القيمي المسبق دون الانتباه لبعدها التاريخي والاجتماعي، ولِما طالها من تغيرات فرضها ضغط التكيف مع نتاجات العصر واستحقاقات المنافسة، و (القبيلة) من هذه المفاهيم التي جُمدت في إفريز القاموس السياسي وتستخرج كل مرة في سياق توجيه اصبع الاتهام لها كلما حدثت معوقات أو أزمة أو مظاهر تخلف، إضافة إلى الربط العضوي الدارج بين القبيلة والبداوة كبنى طاردة لفكرة الدولة المدنية ولدولة القانون والجدارة.